الثعلبي
255
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
يكون غلاما أو جارية ، فإن كان غلاما ردّ النظر في نفقة الدار إليه شهرا أو إعطائه شيئا نزرا يتصرف فيه ليعرف كيف تدبيره وتصرفه فيه ، وإن كان جارية ردّ إليها ما يرد إلى ربّة البيت من تدبير بيتها والنظر فيه ، وفي الاستغزال والاستقصاء على الغزالات في دفع القطن وأجرته واستيفاء الغزل وجودته ، فإن رشدا وإلّا بقيا تحت الحجر حتى يؤنس رشدهما « 1 » ، فأما البلوغ فإنه يكون بأحد خمسة أسباب ، ثلاثة يشترك فيها الرجال والنساء واثنان يختص بهما النساء ، والتي يشترك فيها الرجال والنساء : فالاحتلام وهو إنزال المني ، فمتى أنزل واحد منهما فقد بلغ ، سواء كان من جماع أو احتلام أو غيرهما ، والدليل عليه قوله : وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا « 2 » وقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : « خذ من كل حالم دينارا أو عد له من المعافر » « 3 » [ 239 ] . واختلف العلماء فيه ، فقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد : إذا استكمل الصبي خمس عشرة سنة أو أنبت حكمنا ببلوغه . وقال أبو حنيفة : إن كانت جارية فبلوغها سبع عشرة سنة ، وعنه في الغلام روايتان : أحدهما : تسع عشرة سنة ، وهي الأشهر وعليها النظر . وروى اللؤلؤي عنه : ثمان عشرة سنة . وقال مالك وداود : لا يبلغ بالسن ثم اختلفا ، فقال داود : لا يبلغ بالسن ما لم يحتلم ولو بلغ أربعين سنة ، وقال مالك : بلوغه بأن يغلظ صوته أو تنشق أرنبته . والدليل على أن جدّ البلوغ بالسن خمس عشرة سنة حديث عبد اللّه بن عمر قال : عرضت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فردني فلم يرني بلغت أي ، وعرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني اللّه في المقاتلة . والإنبات وهو أن ينبت : في الغلام أو الجارية الشعر الخشن حول الفرج . وللشافعي في الإنبات قولان : أحدهما : أنه بلوغ ، والثاني : دلالة البلوغ . وقال أبو حنيفة : لا يتعلق بالإنبات حكم ، وليس هو ببلوغ ولا دلالة عليه . والدليل على أن البلوغ بالإنبات متعلق بما روى عطية القرظي عن سعد بن معاذ أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حكّمه في بني قريظة قال : فمكثت أكشف عنهم فكل من أنبت قتلته ، ومن لم ينبت جعلته في الذرّية .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي : 5 / 35 . ( 2 ) سورة النور : 59 . ( 3 ) سنن أبي داود : 1 / 354 ح 1576 .